ابن قيم الجوزية
73
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
ولا شك أنه تفسير خاطئ ، فإن كلا من السمع والبصر معنى زائد على العلم قد يوجد العلم بدونه ، فإن الأعمى يعلم بوجود السماء ولا يراها ، وكذلك الأصم يعلم بوجود الأصوات ولا يسمعها . وأعجب من هذا قول الأشاعرة أن كلا من السمع والبصر متعلق بجميع الموجودات ، فكيف تعلق السمع بما لا يسمع من الأشخاص والألوان ، وكيف تعلق البصر بما لا يرى من الأصوات المسموعة بالآذان . وأعلم أن سمعه تعالى نوعان : أحدهما عام ، وهو سمعه لجميع الأصوات الظاهرة والباطنة الخفية والجلية وإحاطته التامة بها ، والثاني خاص وهو سمع الإجابة منه للسائلين والداعين والعابدين ، فيجيبهم ويثيبهم ، ومنه قوله تعالى على لسان أم مريم عليها السلام : رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ آل عمران : 35 ] وقوله على لسان إبراهيم خليله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ [ إبراهيم : 39 ] ومنه قول المصلي ( سمع اللّه لمن حمده ) أي استجاب له وقبل منه . وهو العليم أحاط علما بالذي * في الكون من سر ومن إعلان وبكل شيء علمه سبحانه * فهو المحيط وليس ذا نسيان وكذاك يعلم ما يكون غدا وما * قد كان والموجود في ذا الآن وكذاك أمر لم يكن لو * كان كيف يكون ذا إمكان الشرح : هذا تفسير لاسمه العليم بأحسن وجه وأجمعه ، فقد ذكر إحاطة علمه تعالى بجميع المعلومات من الواجبات والممتنعات والممكنات ، أما الواجبات فإنه سبحانه يعلم ذاته الكريمة ونعوته المقدسة التي لا يجوز في العقل انتفاؤها بل يجب عنده ثبوتها ووجودها ، وأما الممتنعات فإنه يعلمها حال امتناعها ، ويعلم ما يترتب على وجودها لو وجدت كما أخبر عن الآثار المترتبة على وجود آلهة معه في قوله